نشأة مفهوم الشخصية
إذا أردنا إجابة أوفى عن سؤال «ما المقصود باستبيان الشخصية، وما هدفه؟»، فالأنسب أن نبدأ من نشأة مفهوم الشخصية ذاته. فنظرية «المرض الخلطي» التي وضع أساسها الفيلسوف اليوناني القديم أرسطو، وطوّرها أبقراط—المعروف بأبي الطب—بتصنيفٍ من عنده، كانت تُفسّر أن توازن جسم الإنسان تحفظه أربع مواد (الصفراء، والصفراء السوداء، والدم، والمخاط)، وأن الأمراض تنشأ من نقصان هذه السوائل أو زيادتها. وقد اعتُمدت هذه النظرية في أوروبا حتى أواخر القرن السابع عشر، وكانت العلاجات تُبنى عليها. وعلى مرّ السنين، ربط أبقراط هذه المواد الأربع بأعضاء جسم الإنسان، فجاء التصنيف على هذا النحو: «الدم—القلب، والمخاط—الدماغ، والصفراء—الكبد، والصفراء السوداء—المعدة».
أثر استبيان الشخصية في علم النفس
تناول الطبيب جالينوس من برغامة هذه النظرية من زاوية نفسية، ورأى أن مقادير هذه المواد الأربع في الجسم تُؤثّر في شخصيات الناس. وعند هذه النقطة، سعى كثير من الباحثين—بتنويع عدد الفئات في التصنيف أو بمقاربةٍ مختلفة للنظرية—إلى البحث عن صلةٍ بين السمات الجسدية للناس وأنماط شخصياتهم/سماتها. وغدا تفسير الفروق الفردية في السلوك، وتصنيف سمات الشخصية، أكثر الموضوعات شعبيةً في مرحلتها، وبدأ علماء النفس على وجه الخصوص يخوضون في هذه الدراسات، وتراكمت في الأدبيات نظريات متعدّدة. وعلى سبيل المثال، رأى Gordon Allport بعد دراساته أن ثمّة أكثر من 4000 سمة شخصية، بينما خفّض عالم النفس Raymond Cattell هذه القائمة—بأسلوبٍ إحصائي يُعرف بالتحليل العاملي—إلى 16 عاملاً للشخصية.
وحتى يومنا هذا، نُظر إلى مفهوم الشخصية من زوايا كثيرة وطُوِّرت حوله نظريات متعدّدة. وفي هذا المسار، أُولِيَ نمط الشخصية الانطوائي والمنبسط اهتماماً خاصاً، وذهب كثير من المُنَظِّرين إلى تطوير أساليب القياس حول هذين العاملين. أمّا سبب استمرار كلّ مُنَظِّر في العمل على عوامل شخصيةٍ مختلفة فهو أن كلاً منهم بنى فرضيّاته على تعريفٍ مختلف للشخصية (السلوكي، والاستجابي الاجتماعي، والعميق). وبناءً على هذه النظريات، صُمِّمت إلى يومنا هذا استبيانات شخصية كثيرة موثوقة وذات صدق. واليوم، تأتي نظريّتا إنياغرام ومؤشّر مايرز-بريغز للأنماط (MBTI)، اللتان تُصنّفان مفهوم الشخصية تصنيفاً متّسقاً وكلّياً وتحوّلانه إلى نموذج، من بين النظريات التي يستند إليها Personality Item Test – PiT.
العلاقة بين الشخصية واستبيان الشخصية
الشخصية بنيةٌ تحوي السمات الذهنية والعاطفية والجسدية كلّها، الموروثة والمكتسبة لاحقاً. وبعبارةٍ أخرى، يمكن تعريفها بأنها أنماط سلوكٍ متّسقة وعمليات داخل الفرد. وتُؤثّر في تكوّن الشخصية ونموّها عوامل وراثية وثقافية وبيئية واجتماعية كثيرة؛ فلا تتكوّن ولا تنمو متّكلةً على عاملٍ واحد. ولذلك، تُعدّ استبيانات الشخصية أداة تقييم تُستخدم على نطاق واسع لتحليل هذه البنية الغنيّة المركّبة وقياسها وتقييمها على وجهٍ صحيح. فمن خلال نتائج اختبارات استبيان الشخصية، يمكن معرفة المزيد عن جوانب القوّة والضعف لدى الأفراد، ومواقفهم، وكفاءاتهم الكامنة، وقدراتهم، وسماتهم الاجتماعية، ومجالات اهتمامهم. ويتمكّن المُقيِّمون بذلك من تحديد سمات الأفراد وأنماط شخصياتهم ومُحرّكاتهم بسرعة، وتسريع عمليّاتهم.
ملاءمة الفرد للعمل والمؤسّسة
يُفرز الانسجامُ بين الشخصية والعمل النتائجَ المحتملة التالية:
- اندماج الفرد مع أعضاء المؤسّسة التي ينتمي إليها يُقوّي ارتباطه بها، وتحمل سلوكيّاته وسلوكيّات أعضائها هدفاً مشتركاً. وبذلك يُمكن العمل بفاعلية على مسار أهداف المؤسّسة، والاستفادة على النحو الأمثل من سمات الفرد الذهنية والجسدية.
- حين يستطيع الفرد إقامة صلةٍ بين البنية الاجتماعية التي يعيش فيها وبين شخصيّته، لا يتعثّر في قبول معايير الجماعة والتكيّف معها، ويُقيم مع أعضاء المؤسّسة علاقاتٍ تزيد الفاعلية الإدارية.
- إقامة الصلة المرغوبة بين توقّعات الفرد وأهداف المؤسّسة مهمّة لاستدامة المؤسّسة. ويعتمد هذا إلى حدٍّ بعيد على بُنى شخصيّات الموظفين.
- تعرّف الأفراد—داخل البنية الاجتماعية التي ينتمون إليها—على أفراد آخرين يُلائمون سماتهم الشخصية، واستمرار هذه العلاقات ضمن القوالب التي تُحدّدها المؤسّسة، يُسهم في تحقيق الفاعلية المؤسّسية.
- تحمل شخصيّة الفرد أهمّيةً كبرى أيضاً في بروز سلوكيّات القيادة. فقدرة الفرد على إبراز خصاله القيادية، أي اكتساب صفة القائد، تعتمد على خصائص المؤسّسة التي هو فيها، كما تعتمد على القائد ذاته وسماته الشخصية.
- يعتمد تكوّن المجموعات غير الرسمية داخل المؤسّسة ونموّها على انسجام السمات الشخصية للأفراد الذين يُكوّنون هذه المجموعات. والتفاعل المتبادل في المؤسّسات يعتمد على العلاقات الإيجابية. وكلّما تشابهت توقّعات الأفراد من المؤسّسة، ومواقفهم منها، وأحكامهم القيمية مع أهداف الجماعة، علت قوّة التفاعل؛ وإلّا، يفضّل الفرد البقاء خارج المؤسّسة.
الشخصية واختيار العمل
تختلف لدى كلّ فرد الطموحاتُ والرغبات والاحتياجات التي تجلبها شخصيّته في مستوياتها. منهم من يبتعد عن تحمّل المسؤولية ويكتفي ببلوغ مرتبةٍ معيّنة. ومنهم من لا يقتنع بالترقية، ويُريد الصعود الدائم، وتحمّل مزيدٍ من المسؤولية، والحصول على أفضل المخرجات الاجتماعية-الاقتصادية. وهذا الحال مؤشّر على أن أفراداً بسماتٍ شخصية مختلفة يُحقّقون نتائج مختلفة حتى في المواقف ذاتها.
ولذلك، فإن وضع الأفراد في أعمالٍ تُلائم عوامل شخصيّاتهم يُؤثّر مباشرةً في إنجاز العمل بأكبر إنتاجية، وفي نجاحه. فمثلاً، وضع أفرادٍ يحبّون العمل مع الناس، ومنفتحين، وذوي علاقاتٍ اجتماعية قوية، في أقسام العلاقات العامّة والموارد البشرية، يرفع إنتاجيّتهم ويُتيح تكيّفهم السريع مع العمل. والأعمال المختلفة تطلب من الأفراد سلوكيّاتٍ مختلفة. واضطلاع أفرادٍ ذوي بنيةٍ شخصيّة تُلائم السلوكيّات المتوقّعة بمسؤولية تلك الأعمال، وقبولهم لها، يُحقّق النجاح.
أمّا الأفراد الذين يضطلعون بعملٍ لا يُلائم شخصيّاتهم، فيظهر لديهم في البداية ضيقٌ وتوتّر، وفي مراحل لاحقة الإرهاق وحتى الاحتراق العاطفي. وينعكس هذا حتماً مباشرةً على بيئات عملهم. والشخصية، واختيار العمل، والتكيّف معه، موضوعاتٌ تُدرَس منذ سنواتٍ طويلة، وطوّر بشأنها كثير من الباحثين نظريات. ولُوحظ نتيجة هذه الدراسات والنظريات أن ثمّة علاقةً مباشرة بين العمل والشخصية. ولأن بنية الشخصية مختلفة بين فردٍ وآخر، فعلى كلٍّ منهم اختيار عمله وفق فروق ميوله ورغباته وأهدافه ومواقفه ومهاراته، وأن يستطيع تحليل المهن التي يميل إليها تحليلاً جيداً. وانسجام العمل المُنجَز مع الشخصية يُحقّق ارتفاع رضا الأفراد عن العمل.
اختيار الموظف واستبيان الشخصية
بالنظر إلى أهمّية الجودة والسرعة، فإن استخدام الموارد البشرية بإنتاجية في قطاعَي الإنتاج والخدمة، واختيار الموظفين الملائمين للمناصب الشاغرة، أمران بالغا الأهمية. فكلّ منصبٍ يستلزم سماتٍ وقدراتٍ ومعارفَ وسماتٍ شخصيّةً مختلفة. ولتأمين الانسجام بين الموظف والعمل، لا بدّ من ملاءمة قدرات الفرد وبنيته الشخصية للعمل الذي يُؤدّيه. ونجاح الأفراد في العمل يعتمد إلى حدٍّ بعيد على سماتهم الشخصية. ولذلك، تُطبّق اليوم مؤسّسات كثيرة استبيانات الشخصية على مرشّحيها، لتُقارن سمات المنصب بسمات الأفراد، وتجمع إشاراتٍ حول ملاءمة العمل للشخص والشخص للعمل، فتُدير عمليّاتها بناءً عليها.
لِمَ يُطبَّق استبيان الشخصية، وما مجالات استخدامه؟
– معرفة الفرد لذاته، ورسم خارطة طريقٍ مهنية تُلائم شخصيّته، واختيار المهنة:
يُستخدم استبيان الشخصية من قِبَل المستشارين المهنيّين ومختصّي تطوير المسار المهني لتمكين الأفراد من معرفة أنماط شخصيّاتهم. واستبيانات الشخصية، التي تُوفّر معلوماتٍ في جوانب كجوانب القوّة والضعف، والكفاءات الكامنة، والمُحرّكات، والمواقف، تلعب دوراً مهمّاً في أن يكون الأفراد ناجحين وسعداء ومرتاحين في مساراتهم المهنية. واتّخاذ الأفراد قرار اختيار المهنة أو تقييم عرض عملٍ في ضوء المعلومات التفصيلية التي عرفوها عن أنفسهم، يُساعدهم في اتّخاذ قراراتٍ أصحّ وأسلم.
– تعرّف الشركات على المرشّحين في المقابلات بصورةٍ أفضل:
تبني كلّ مؤسّسة استراتيجياتٍ لاكتساب القدرة على إدارة الموارد البشرية بفاعلية وتنميتها. وبالنظر إلى أن إنتاجية الموظف تنعكس مباشرةً على نجاح المؤسّسة وصورتها، فلا بدّ من تنفيذ عملياتٍ شاملة تُقدّم نتائج صائبة عند توظيف الشخص الصحيح. وتُعدّ استبيانات الشخصية، التي تُطبَّق لاختيار الشخص الملائم للعمل الملائم، أداة تقييمٍ شائعة الاستخدام تُوفّر لمتخصّصي الموارد البشرية معلوماتٍ تفصيلية. ومن خلال الاستبيان، يُحصَل أيضاً على معلوماتٍ تُبيّن ما إذا كان المرشّحون قادرين على التكيّف مع العمل.
– بناء المقابلة وفق نتيجة الاستبيان:
تُتيح استبيانات الشخصية الحصول على معلوماتٍ مسبقة عن سمات شخصيّات المرشّحين وكفاءاتهم الكامنة. وبالاعتماد على هذه المعلومات المسبقة، يستطيع متخصّصو الموارد البشرية إجراء المقابلات القائمة على الكفاءات بأسئلةٍ أكثر صواباً، واتّخاذ قرارٍ في مرحلة الفرز الأوّلي باستخدام بياناتٍ صحيحة.
– تحديد احتياجات التدريب والتطوير:
بفضل استبيانات الشخصية التي تُنتج تقارير تحليل احتياجات التدريب والتطوير، تستطيع المؤسّسات رسم خارطة تطوير لموظفيها بهدف نقل أداء موظفيها ومؤسّساتها إلى مرتبةٍ أعلى.
– تقييم الفرد ضمن عملية إدارة المواهب (Talent Management)
المؤسّسات التي تُطبّق استبيان الشخصية على موظفيها لإعداد خطّة مسارهم المهني وتطويرهم تنقل مواردها البشرية ومؤسّساتها إلى المستقبل. ويمكن القول إن استبيانات الشخصية هي الأداة الأسرع والأصحّ في تطوير الكفاءات الكامنة للموظفين وإبراز إمكاناتهم.
وفي هذا الإطار، يمكن—عبر اختبارات استبيان الشخصية—تنفيذ توظيفٍ صحيح، وتقييم الموظفين بمقاربةٍ منهجية وموضوعية، وتخطيط عمليات الموارد البشرية، وإعداد خطط تدريبٍ لموظفين يستهدفون النجاح ينقلون أداء الشركة إلى ذروته، وإعداد بيئاتٍ تُلائمهم للاحتفاظ بهم. ويمكن القول إن استبيانات الشخصية واختبارات القدرات هما اليوم من بين الأساليب الأكثر شيوعاً في عمليات التوظيف.
ما الذي يُمكن قياسه باستبيانات الشخصية؟
اختلفت أدوات قياس الشخصية والأوصاف المُستخدَمة بحسب مقاربات الباحثين. وبالنظر إلى أن قياس الشخصية ممكنٌ عبر الملاحظة/المقابلة أو عبر اختبارات استبيان الشخصية، فإن استخدام الاستبيان من أجل جعل عمليات الموارد البشرية أكثر موضوعيةً وموثوقية يُعدّ شائعاً.
عند العمل على إعداد استبيان الشخصية، تُحدَّد السمات المُراد قياسها كالعاطفة، والمسؤولية، والاجتماعية، والاستباقية، والحسم. ويُعدّ الأسئلةَ التي ستقيس هذه السمات فريقٌ من المختصّين. وتُنجَز دراسات الموثوقية والصدق. وعند الحصول على مجموعةٍ معيارية متينة، يُطبَّق الاستبيان، وتُجرى تحليلات الموثوقية للتحقّق من اتّساق نتائجه.
ولذلك، فإن مقاربة الفريق المختصّ الذي يعمل على استبيان الشخصية هي ما تُحدّد العوامل التي سيقيسها الاستبيان. ومن بين اختبارات الشخصية الموثوقة والصادقة المُطبَّقة فعلاً في القطاع، تقيس بعضها عوامل كالانبساطية، والمرونة، والحدسية؛ وبعضها الآخر يقيس عوامل كالدفء، وروح التجديد، والهيمنة، والالتزام بالقواعد.
أسئلة استبيان الشخصية
لا تحمل أسئلة استبيان الشخصية مستوى صعوبة. فالأفراد يُجيبون عن عباراتٍ من قبيل «أصاب بالخيبة بسهولة، أستمتع بالتعرّف على أشخاصٍ جدد، أحبّ إصلاح الأشياء» بإجاباتٍ مثل «أوافق بشدّة، أوافق، متردّد، لا أوافق، لا أوافق بشدّة» (وقد يختلف ذلك بحسب منهجية الاستبيان). ولذلك يُنصَح المرشّحون بإجراء الاستبيان بأمانة دون مساعدة.
كيف ينبغي تطبيق استبيانات الشخصية؟
يُجرى تطبيق استبيان الشخصية من قِبَل الشركة وفق المؤهّلات التي يستلزمها المنصب الشاغر. فمثلاً، بالنسبة لموظفٍ سيُوضَع في منصبٍ شاغر في قسم التسويق، تُحدَّد أوّلاً الكفاءات أو المؤهّلات التي ينبغي أن تكون قوية لديه. وإذا تقرّر أن المرشّح الذي سيُوضَع في هذا المنصب ينبغي أن يكون تنافسياً ومُبادراً ومُجدّداً وغير انطوائي، أمكن، بتطبيق استبيان الشخصية، تقييم المرشّحين على ضوء هذه السمات. ولذلك ينبغي للمؤسّسات قبل تطبيق اختبارات استبيان الشخصية أن تُعرّف مناصبها الشاغرة، وأن تُحدّد المؤهّلات الأكثر حسماً في تلك المناصب. وبذلك يُمكن وضع الأشخاص الملائمين في المناصب الشاغرة، وخفض كلف التوظيف، وتقليل الوقت المُنفَق على شَغل المنصب إلى أدنى حدّ، وجعل العمليات أكثر إنتاجية.
نصائح لحلّ استبيان الشخصية
في كلّ اختبار استبيان شخصية تقريباً، تأتي الأسئلة بترتيبٍ يُلائم منهجية الاستبيان. وأثناء حلّ اختبار استبيان الشخصية، من المهمّ جداً ألّا يُتلاعَب بالاستبيان، وألّا يسعى الشخص إلى تقديم نفسه بصورةٍ مختلفة عن حقيقته؛ ويُنصَح المرشّحون بحلّ الاستبيانات بصدق، دون السعي إلى تقديم نسختهم المثالية. وإلّا، فإن الفرد سيكون قد وَضَع نفسه في موقعٍ مختلف، فسيُعاني في التكيّف مع العمل ولن يحصل على رضا العمل. وعند هذه النقطة، يستطيع المرشّحون الراغبون في معرفة المزيد عن استبيانات الشخصية وتجربة استبياناتٍ نموذجية، قراءة كتب الموارد البشرية المكتوبة حول الاستبيانات، وتجربة اختبارات استبيانات الشخصية المجّانية المتوفّرة على الإنترنت.
كيف تُستخدَم نتائج استبيان الشخصية؟
على ضوء المعلومات المستخلَصة من اختبارات استبيان الشخصية، يُمكن للأفراد رسم مسارهم المهني، وتسريع عمليات التوظيف، ووضع الأشخاص الصحيحين في المناصب الشاغرة، والإسهام في تطوير الموظفين. وعند ذلك، يُعدّ تفسير الاستبيان المُطبَّق على وجهٍ صحيح أمراً حاسماً.
فمثلاً، يمكن القول إن الأفراد المُولَعين بالتفاصيل، أصحاب التفكير التحليلي، أصحاب القدرة العالية على التخطيط والانطوائيّين، يكونون ناجحين وسعداء في مناصب المالية والمحاسبة؛ وإن الأفراد المنفتحين، المُستبِقين، ذوي مهارات التواصل والإقناع العالية، يكونون ناجحين وسعداء في مناصب المبيعات؛ وإن الأفراد الانطوائيّين، الذين يحبّون العمل منفردين، ولديهم مهارات تواصل أضعف، والمنفتحين على الجديد، والملائمين لحلّ المشكلات، يستطيعون النجاح والسعادة في مناصب تقنية المعلومات.
ليس من الممكن دائماً أن تكون أنماط الشخصية في نقاطٍ متطرّفة أو مهيمنةً في مجالٍ واحد فقط. فقد توجد لدى الأفراد عوامل شخصية مختلفة بنسبٍ معيّنة. والأفراد ذوو البنية الشخصية المتوازنة عموماً، أصحاب المُبادرة، وذوو مهارات التواصل والقيادة العالية، يحملون احتمالاً عالياً للنجاح في الأدوار الإدارية.
كما يحمل أهمّيةً كبرى—إلى جانب جوانب القوّة لدى الأفراد—أخذُ سمات الشخصية التي يكونون أضعف فيها بعين الاعتبار، وتمكينهم من إدراك هذه الجوانب. وبالوعي الذي يكسبه الفرد بهذا، يحصل على فرصة إدارة هذه السمات الشخصية وتطويرها. علاوةً على ذلك، فإن معرفة جوانب القوّة والضعف لدى جميع الأفراد في فريقٍ ما تُوفّر بيئةً تُتيح لهم العمل بانسجامٍ أكبر.
فمثلاً، إذا كانت معرفة الموظف للهدف المطلوب منه، وشرح حجم مسؤوليّاته له بوضوح، تُولّد له بيئة عملٍ آمنة ومريحة، فإن تقديم مديره لهذه المنطقة المريحة سيرفع دافع الموظف وإنتاجيّته. ويُكسب استبيان الشخصية الأفرادَ، إلى جانب الوعي، القدرةَ على فهم من حولهم. وبهذه الاختبارات التي تكسب القدرة على التعاطف، يرى الأفراد أن لكلّ شخصٍ بنية شخصيةٍ مختلفة، وأن لهم جوانب قوّةٍ وضعف، وأن ظهور الاختلافات في علاقاتهم أمر طبيعي، ويستطيعون اكتساب رؤيةٍ متفهّمة وتوافقية.
لقسم الموارد البشرية دور استراتيجي داخل المؤسّسة. وعلى أساس هذا الدور، تنظر أقسام الموارد البشرية إلى المورد البشري بوصفه أداة استثمار، وتُدير أنشطتها في هذا الإطار. وطريق استخدام جميع وظائف الموارد البشرية بإنتاجية يمرّ بإعداد خططٍ طويلة المدى، وتحديد الأهداف بوضوح، ووضع الاستراتيجيات الصحيحة، والقدرة على رؤية الصورة الكبرى. ولذلك، فإن استبيانات الشخصية—التي تُنتج بياناتٍ تدعم قرارات المختصّين في عمليات الموارد البشرية كلّها، من التوظيف إلى إدارة المواهب، ومن رسم المسار المهني الصحيح للأفراد إلى تحليل احتياجات التدريب—هي أداة تقييمٍ تُساعد في اتّخاذ قسم الموارد البشرية القرارَ الصحيح، وفي بناء ثقافة المؤسّسة أو الحفاظ عليها.






